ابن أبي الحديد
33
شرح نهج البلاغة
فهو دأبهم وديدنهم ، فإذا تكلم واحد في عمرو بن العاص أو في معاوية وأمثالهما ونسبهم إلى المعصية وفعل القبيح ، احمرت وجوههم ، وطالت أعناقهم ، وتخازرت أعينهم ، وقالوا مبتدع رافضي ، يسب الصحابة ، ويشتم السلف ، فإن قالوا إنما اتبعنا في ذكر معاصي الأنبياء نصوص الكتاب ، قيل لهم فاتبعوا في البراءة من جميع العصاة نصوص الكتاب ، فإنه تعالى قال : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) ( 1 ) ، وقال : ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ إلى أمر الله ) ( 2 ) ، وقال : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ( 3 ) . ثم يسألون عن بيعة علي عليه السلام : هل هي صحيحة لازمة لكل الناس ؟ فلا بد من ( بلى ) ، فيقال لهم : فإذا خرج على الإمام الحق خارج أليس يجب على المسلمين قتاله حتى يعود إلى الطاعة ؟ فهل يكون هذا القتال إلا البراءة التي نذكرها لأنه لا فرق بين الامرين ، وإنما برئنا منهم لأنا لسنا في زمانهم ، فيمكننا أن نقاتل بأيدينا ، فقصارى أمرنا الان أن نبرأ منهم ونلعنهم ، وليكون ذلك عوضا عن القتال الذي لا سبيل لنا إليه . قال هذا المتكلم : على أن النظام وأصحابه ذهبوا إلى إنه لا حجة في الاجماع ، وإنه يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ والمعصية ، وعلى الفسق بل على الردة ، وله كتاب موضوع في الاجماع يطعن فيه في أدلة الفقهاء ، ويقول إنها ألفاظ غير صريحة في كون الاجماع حجة ، نحو قوله : ( جعلناكم أمة وسطا ) ( 4 ) وقوله : ( كنتم خير أمة ) ( 5 ) وقوله : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) ( 6 ) .
--> ( 1 ) سورة المجادلة 5 . ( 2 ) سورة الحجرات 9 . ( 3 ) سورة النساء 59 . ( 4 ) سورة البقرة 143 . ( 5 ) سورة آل عمران 110 . ( 6 ) سورة النساء 115 .